2025/05/26 | 0 | 1149
معادلة المحو والكتابه في تجربه ايات العبد الله الشعريه
(الشعرُ من آياتها)
تتجلى اللغة في قصيدة آيات العبد الله كطريق مزدوج: طريق للخروج والدخول، للمحو والكتابة في آنٍ معاً.
في مداراتها الشعرية تتجوهر المفردة ككائنٍ يولد على تماس بين الصوت والصمت، بين الظهور والخفاء،فكأنها تكتب لتمحو، وتمحو لتوقع بالجمر والمطر والضوء، في معادلة وجودية وشعرية شديدة الحساسية،حيث تُخاض الكتابة كنوع من الفناء، ويُستعاد المحو كشرط للتخلق.
في هذه الورقة، نحاول تتبع هذه المعادلة كما تنعكس في مرآة قصائد مختارة، تكشف عن جدلية داخلية بين المحو والكتابة :
- القصيدة فرار من الطين :
أنا التي نزعت صلصالَها هرباً
نحو السماوات لاحدٌّ ولاغُرفُ
بالكتابة ترفض الانحباس في المحدود وتتوق إلى إعادة تشكيل هويتها بنور سماوي أعلى وأفق يتسع للبحث والأسئلة .
- المحو:
نزع الصلصال أي محو الجانب الترابي من الكينونة، والهروب من المحدود إلى اللانهائي . - الكتابة:
التوجّه إلى السماوات التي لا حدّ فيها ولا غرف هو كتابة جديدة للذات، حيث تتخلق من جديد بلا شكل سابق، بلا حبس ولا قبود حتى ترى ما لا يُرى .
القصيدة سادنة الحيرة:
أنا بقايا مُريدٍ وسطَ عتمتهِ
ربّى الظنونَ وشيخٌ فيه يعتكِفُ
هذا المريد هو الصورة الخافتة للشاعرة في مقام المحو ، حيث الظنون هي التي تكتب ، وحيث الشيخ ( النداء العاكف في الأعماق ) ينتظر ما يتنزل به الوحي ليمليه على تلميذه فيدوّن .
- المحو :
تمزق الذات وتفتتها إلى (بقايا) وغرقها في عتمة التيه - الكتابة :
في تولد الظنون كعلامات على المعنى القادم ، وفي اعتكاف الشيخ
الذي يرمز إلى بدء نقش الوجود من جديد في نفس المريد المستعد .
القصيدة رقصة النار :
حزنُ الدراويشِ بي ماجمرةٌ رَقَصَتْ
إلّا بصدريَ من نيرانها شغَفُ
هذا البيت عكس معنى أن تتحول القصيدة من نار إحراق ( محو ) إلى نار إشراق ( كتابة ) ، وترجم كيف يصبح الفناء معنى شغوفاً يُكتب .
- المحو :
هو التجرّد من الذات الفردية والدخول في وجدان الدراويش ، وهو انمحاء الشعور الذاتي في الحزن الجمعي والعشق المتوهج . - الكتابة :
هي النقش الناري لهذا التماهي في الوجدان، حيث الشغف يُحفر بجمرةٍ راقصة، فكأنما الكتابة - في حقيقتها - تولد من نار الفناء .
القصيدة ظمأ العارفة :
ظمأى لكفّكِ ما استسقيتُ غيمتها
إلا وفاضت من الإحسان والخيرِ
يتجسد المحو والكتابة في هذا البيت عبر المقابلة بين ( الظمأ - الغيمة )..
إن قول آيات ( ما استسقيتُ غيمتَها ) يدل على طلب مسبوق بحالة تعطش لغياب الماء وغياب الكلمة قبل أن تكتب ، حتى كأن المطر هو حبر الكتابة والانهمار هو أثرها الباقي في الناس .
إنها معادلة صوفية :
الطلب محو والعطاء كتابة
الظمأ محو والفيض كتابة
الاستسقاء محو الذات ، والامتلاء بالإحسان والخير كتابة وارتواء
القصيدة أنثى رأت الطريق :
أنثى يُحرّضكِ التوهّجُ ثمّ ما
يُغري طموحكِ أن يَفكَّ جدائلَه
نقرأ المحو والكتابة كحركتين داخليتين في تشكّل الذات الأنثوية، فهي في طور الانعتاق من نسق قديم، وفي طور بناء هوية أخرى عبر الحلم والرغبة والطموح ...
- المحو:
فك الجدائل ليس زينة، بل تحوّل، هو محوٌ لهيئةٍ مقيّدة، وتهيئةٌ لكتابة جديدة، وإزالة لما تم تضفيره بحبال العادة أو السياق الاجتماعي. فكأن الطموح لا يتقدّم إلا بعد أن يمحو شكله التقليدي.
والمحو جاء أيضًا ضمنياً في التركيب “ثمّ ما يُغري…” إذ يُوحِي بمرحلة ما بعد الاشتعال: ما بعد “التحريض”، حيث لا يكفي التوهّج وحده، بل لا بد من تفكيك ما كان، من أجل ما سيكون .
- الكتابة:
الكتابة هي فعل الإشعال والتكوين،
وتبدأ من التوهّج، من تلك الشرارة الأولى التي توقظ الأنثى على ندائها الداخلي، فالتوهّج هنا رمز للوعي، للشغف، للرغبة في الامتداد والتعبير. والطموح لا يكتفي بالتماهي مع المألوف، بل “يفك جدائله”، أي يخرج من القوالب الموروثة، ويفك رموز الأنوثة المجازية والثقافية، ليعيد تشكيلها كتابةً .
وقد عزّزت هذه الرؤية في البيت :
درّبتِ ذاتكِ أن تُجرّب ذاتها
أن تعبُرَ الكونَ الفسيحَ مُسائِلةْ
البيت يصفُ فعلًا داخلياً يشبه رحلة الخروج من نسخة الذات المألوفة إلى أفق اكتشافها، بتجريبها، بمساءلتها، بتجاوزها .
- المحو :
يتمثّل في كسر الصورة الثابتة للأنثى
كـ (مُتلقّية )أو ( مُجاب عنها ) هنا، تُمحى التصنيفات الجاهزة، وتُمحى المسارات التي خُطّت لها مسبقًا، لتُستبدل برحلة استقصاء شاسعة، روحية وفكرية ، فالتدريب يعني أن هناك مقاومة سابقة للخروج من نَسق موروث فهو محو للتلقين. - الكتابة :
فعل خلق الذات من جديد، عبر مراحل تحول واعٍ :
( تُجرّب ذاتها )
فالتجريب هنا كتابة بديلة للذات، ذات تخوض مغامرة وجودها، كما لو أنها تكتب نفسها بالسؤال، لا بالتكرار.
(أن تعبُرَ الكونَ)
فالعبور الكوني مجاز للامتداد، وهو كتابةٌ للذات بلغة أوسع من محيطها الأول، كتابة بلا جغرافيا.
(مُسائلة)
فالمساءلة فعل معرفي وشعري، لا يتحقّق إلا حين تبدأ الذات بإعادة النظر في ما قيل لها، وما اعتقدته. والمسائلة لا تكون إلا من كائن بدأ يكتب أسئلته بدل أن يكرّر أجوبةً لم يضعها بنفسه .
القصيدة عند آيات رحلة بين فضاءين فضاء المحو الذي يمثل التخلي السابق وفضاء الكتابة الذي يمثل التجلي اللاحق وهكذا تعبر بالذات من الفناء إلى الخلود عبر الكلمة ... وكأنها تخاططب نفسها حين تقول :
تفرّينَ ليس الآن إلّاكِ مهربُ
فخطوتكِ الأولى ضياعٌ مُجرّبُ
على أيّ دربٍ تستحثّينَ وِجهةً
وقلبُكِ من شوطِ التباريحِ مُتعَبُ
فيافيكِ في عينيكِ عودي لأمسِها
دليلاً ،فهذي الروح للتّيهِ تُنسَبُ
وصوتكِ مُذ شاخَ الشّعورُ ضَللتهِ
نسيتِ بأنّ الصّمتَ بوحٌ مُعلّبُ
إنها تلخّص رحلة المحو الخلّاق، والكتابة التي تبدأ من نسيان الصوت لتكتبه من جديد في هيأة أخرى .
جديد الموقع
- 2026-10-03 صنعة التوثيق التاريخي عند الشيخ موسى الهادي بوخمسين([1])
- 2026-10-03 د. " عواجي " يدشن "عيادة عين لطب العيون المتنقلة" بدعم من أوقاف نورة الملاحي (تنفذها جمعية عين لطب العيون )
- 2026-10-03 المملكة الأولى عالميًا في قيمة صادرات التمور بنحو ملياري ريال للعام الرابع على التوالي
- 2026-10-03 *أسبوع الفضاء العالمي 2026: ثورة الصواريخ*
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»